هاجَ أَجفاني وَقَلبي المُغرَما✳ بارقٌ آنَستهُ من تونسِ
وَيحهُ لو لم يَلح ما عَلما✳ ما أُواري مِن أُواري الموجسِ
أيّهذا المُذكري ثغراً به✳ بردُ نظمٍ لاحَ في تلك الشنب
أَشركتَ القلبَ في مذهبهِ✳ مُستطيراً من وجيبٍ واللهب
يا رَعاكَ اللّه مِن مشتبهٍ✳ لاحَ في زيّ محبٍّ ومُحَب
إِن يكُن صَوبكَ مزناً شبما✳ فَدُموعي حرّها كالقبسِ
أَو عَدا وَجدكَ وَجدي بالحِمى✳ لَم يَزل ذا عارضٌ منبجسِ
نارُ وَجدي وَدموعي في اِقتِران✳ وَأَرى ومضكَ حيناً خلّبا
عَبرتي تصفرُّ مِنها الوجنتان✳ وَحَيا دَمعي يُحيي المُجدِبا
دَعكَ مِن دَعوى على غيرِ بيان✳ لَيسَ مِن جدَّ كَمَن قَد لَعِبا
إنّما الحبُّ مليكٌ ذو حمى✳ مَن يَحُمه يَغدو نهبَ الحرّسِ
إنّ مِن حكمِ الهَوى أن يسلمَ✳ أسدُ الغابِ لظبيِ المَكنسِ
وَجههُ تحتَ دُجى طرّتهِ✳ قَمرٌ في شَفقِ الخدّ اِكتمل
وَكأنّ الخالَ في وجنتهِ✳ فصُّ جزعٍ صالَ نعمانَ الخَجَل
خافَ أَن يُسفَك مِن رقّته✳ عِندَما ترنو لِمرآهُ المُقَل
يَنظمُ الدرّ إِذا ما اِبتَسما✳ ثمّ يُلقيهِ بلفظٍ أنفسِ
تَحسبُ المنثورَ والمُنتَظِما✳ حَببَ الراحِ بكأسِ اللعسِ
فتنةُ الأبصارِ من عاذرهِ✳ تَتَوالى في مساءٍ وصباح
وَحُروفُ السحرِ من ناظرهِ✳ تَتجلّى مِن سهامٍ وصفاح
كَيفَ لا يعدو على حاذرهِ✳ جَفنهُ الكاسرُ هدباً كالجناح
فَاِجنِ وَاِرشف وردَ خدٍّ ولمى✳ مُمتعاً بِاللحظِ أَو بالنفسِ
إنّما الثغرُ حبابٌ واللّمى✳ قَرقفٌ في أكؤسٍ من لعسِ
هاصرٌ دلّ الصّبا من قدّه✳ غُصُناً طرّزه زهرُ الجمال
مائلٌ أَعطافهُ في صدّهِ✳ ما توخّاهُ الهوى إلّا ومال
ظلّ فيهِ ذو النهى عن رشدهِ✳ بينَ شمسٍ ونجومٍ وهلال
عَربَدت مُقلتهُ فَاِحتَشما✳ وَتَثنّى عطفهُ في ميسِ
تِلكَ راحُ السحرِ أَو راحُ اللّمى✳ مُسكرٌ بِالوهمِ مَن لَم يحتسِ
وَلَقد حيّى فَأحيانا الأقاح✳ بِاسمَ الثغرِ بزرٍّ من ذهب
وَغَشى من طيبهِ عَرفَ الصباح✳ وَغَدا يحجبُ أنوارَ الشهب
هَذِهِ الآمالُ وقفَ الإقتراح✳ فاِجرِ في ميدانِها مرحَ اللّبب
وَاِنظرِ النارنجَ خضراءَ السما✳ يُطلعُ الأنجمَ بين الأشمسِ
أَو منَ النارِ قِراها المُعلما✳ تَجنِ شهداً خَلط ذوبِ العضرسِ
وَاِنظرِ السّوسنَ في أَفنانهِ✳ كَالطواويسِ بِروضٍ مُرجِحه
وَاِنظرِ الخيريّ في ألوانهِ✳ كالزنابيرِ تمدّ الأَجنِحَه
وَاِنظرِ البانَ على أغصانِهِ✳ دُرراً فوقَ رماحٍ رَنِحه
وَكأنّ الصبحَ أَبدى معصماً✳ في سوارٍ مِن هلالٍ أقعسِ
ذا بنانٌ بِالثريّا ختِّما✳ قالباً بِالشمسِ ظهر المترسِ
وَاِنظرِ النعمانَ كَم خدّاً جَلا✳ وَكأنّ الخالَ منهُ غالِيَه
يُشبهُ المقلةَ ممّن يُجتلى✳ وبَقايا الكحلِ مِنها جارِيَه
أَو مُحيّا الكأسِ يَبدو مِن طُلا✳ وَشظايا القارِ فيهِ بادِيَه
عادَ عيدُ الروضِ فَاِشهَد موسماً✳ جُعِلَت فيه أماني الأنفسِ
زَهرُهُ ما بيَن أرضٍ وَسَما✳ قَد زَكى عرفاً بِطيبِ المغرسِ
أُفقهُ الوضّاح مجلوٌّ صقيل✳ بَعدَما عبّس حَيناً وَاِحتَجب
صُبِغَت فيهِ بإكسيرِ الأصيل✳ فضّةُ الغيمِ فسالَت كَالذَهَب
وَاِنجَلى منهُ على خدّ أسيل✳ ماءُ حسنٍ جالَ في نارٍ تُشَب
وَاِنظرِ الجدولَ كيفَ اِحتَشما✳ فَتقرّى دوحُها في خلسِ
لَم يَزَل يرفقُ حتّى اِحتكما✳ وَسَرى مِنها بِمسرى النفسِ
صاحبَ الروضَ بإِخلاصِ الضمير✳ فَهوَ لا يحملُ أَقذاءَ الرِيَب
كلّما لاحَ لَهُ مَرأىً نضير✳ صارَ يَزهو بعيونٍ من حَبب
رقّ حتّى اِنسابَ مِن غيرِ خرير✳ وَلِكَتمِ السرّ فوزٌ بالأرب
تَصدعُ الحصباءُ منهُ أُدُما✳ يَخفى عَن مرّ النسيمِ السلسِ
وَهوَ مُنسابٌ يُحاكي الأرثما✳ مُستثيراً أَنعُماً من أبؤسِ
لاثماً مُلتَزِماً سوقَ الشجَر✳ هيَ منهُ في حجُونٍ مِن لُجين
رُصّعت لَكن بياقوتِ الزَهَر✳ وَحَصى درٍّ بِها مُكتَنِفين
فَاِنظُر الخضراءَ إِذ مِنها اِنتثر✳ عقدُ نجمٍ لاِجتماعِ القَمَرين
هَذهِ جنّةٌ خضراءُ السّما✳ قَد سَقَت وُلدانها بِالأكؤسِ
حُورها أُلحِفنَ سرواً نظّما✳ في برودٍ وَقدودٍ ميّسِ
هَذه الأطيارُ في خَضرائها✳ راتعاتٌ في ظلالٍ ونِعَم
فهيَ كَالأملاكِ في أَرجائها✳ تَنظمُ التسبيحَ في سلكِ النغم
تَبعثُ الأنفسَ من إِغفائها✳ بِلحونٍ زمِّرت فيها حِكَم
نَبّهَ السعدُ الأماني النوّما✳ غبّ إغفاءِ العيونِ الحرّسِ
أيّ قلبٍ لم يَصدهُ مُرغماً✳ كاسرُ الجفنِ الفتور النعسِ
فَاِقتَرع مروةَ سعيٍ منجحِ✳ وَاِفتَرع ذَروة عزّ أرفعِ
وَاِقتَعِد صهوةَ جدٍّ أمرحِ✳ وَاِستند طودَ ذمامٍ أمنعِ
مُؤثراً بِالعزمِ مدحَ الأريَحي✳ السريّ اللّوذعيّ الألمعي
فَهوَ للمدحِ طروبٌ كَرما✳ طَرب الطيرِ لروضٍ مرغسِ
إِن لَوى وجهاً لِخطبٍ أَظلَما✳ شِمتَ بدراً سارياً في حندسِ
مُطلعاً زهرَ الأيادي غرراً✳ فهيَ في دهمِ الليالي كاللآل
وَجَلَت لِلشكرِ روضاً مزهرا✳ فَهوَ يَشدو للأماني بالآمال
جلّ مَن في صُنعِها قد صوّرا✳ سورةَ الحمدِ لَه فالكلّ تال
لَم يَزل مِن قبلِ أَن يَحتَلما✳ طامحَ الهمّ لمجدٍ أقعسِ
رقّ طبعاً وَرسا حِلماً كما✳ ساغَ ينبوعٌ بطودٍ مرتسِ
أيّها الراتعُ في زهرِ الرياض✳ إِنّني أَرتعُ في زهرِ الكلم
إِن تَكُن مُغرى بِألحاظٍ مِراض✳ فَأنا المُغرى بلفظٍ مُنتَظِم
فَاضَ في قَلبي منَ العلمِ حِياض✳ فَاِرتَوى مِنها بعذبٍ مُنسجم
بَرقُ فِكري كلّما لاحَ هَمى✳ مِقوَلي بِالعارض المنبجسِ
تَرشفُ الأسماعُ منهُ كلّما✳ كَمَنت فيهِ حياة الأنفسِ
هاكَها يُنسى بِها ذكرُ العراق✳ وَلَها لحنٌ كَما راقَ الحسين
هيَ للحرّ اِصطباحٌ وَاِغتباق✳ مُذهلٌ عَن لذّةٍ بالأطيبين
كلُّ رأسٍ وَفؤادٍ في اِختِفاق✳ حينَ يُجلى سرُّها في الخافقين
لا أَرى الشعرَ كَلاماً نظِّما✳ مرّ مُحلَولى بسمعٍ ونسي
بَل أرى الشعرَ مكاناً أُحكما✳ عُلّقَت أَنفاسهُ بالأنفسِ
قُل لِمَن حاوَلَ شَأوي في القريض✳ ما اِستَوى ناظمُ ماءٍ ودرر
وَيكَ لا يستنسرُ البغثُ المهيض✳ فَهوَ لِلباري على عمدٍ حُزِر
ربّما أطمَعَ قَولي من بغيض✳ فَحَكى الماسَ ببلّور وغُرّ
نَسَفت قول اِبن سهلٍ بعدَما✳ خارَ دَهراً في سماءِ القومسِ
وَاِزدَرت مِن أهلِ غرناطةَ ما✳ لِلسانِ الدينِ يُعزى لو نسي
فَاِرقَ من مَدرجِ أسبابِ الكيان✳ للّذي أَتقنَ صُنعاً كلّ شي
وَتبصّر في مَجاليهِ الحسان✳ حِكمةَ الظاهرِ في نشرٍ وطي
وَاِحذَرِ الإخفاءَ مِن فرطِ البيان✳ وَاِعبُر الليّ إِلى ما هو حي
هَل دَرى ظبيُ الحِمى أَن قَد حمى✳ قلبَ صبٍّ حلّه عن مكنسِ
فَهوَ في حرٍّ وخفقٍ مِثلَما✳ لَعِبَت ريحُ الصبا بالقبسِ