طُفْ بالخمائلِ من رُبا جَاسِمْ✳ وانْشُقْ شَذا رَيْحانِها الفَاغِمْ
وتَمَلَّ عند الفجرِ رَوْعَتها✳ في مَوكِبٍ من نورِهِ البَاسِمْ
واسمَعْ غِنَاءَ الرَّوضِ مُنْتَشياً✳ من صادِحٍ فيه ومِنْ بَاغِمْ
ما شِئتَ مِنْ نَسْمٍ يَجُوسُ، ومِنْ✳ غُصْنٍ ينُوسُ، وجَدْوَلٍ حَالِمْ
لكِنْ تَوَقَّ هَوى جآذِرِها✳ إن شئتَ أوْبَةَ سَالِمٍ غَانِمْ
فَلَدى جآذرِ جَاسِمٍ مُقَلٌ✳ لا عَاصَمٌ منها ولا رَاحِمْ
غُنْمٌ لعَمْرُكَ أن تُشَاهِدَها✳ فإذا أُصِبْتَ فإنك الغَارِمْ
أرضٌ كأنَّ اللهَ أبدَعَها✳ أُنْموذَجاً لِنعيمِهِ الدائمْ
الحُسْنُ معجونٌ بتُربتِهَا✳ والسِّحْرُ يَنْفُثُ ماءَها السَّاجِمْ
والشِّعْرُ من هذَينِ مُزدَهِرٌ✳ ينمو وينبُتُ دونَ ما نَاظِمْ
هذا الثَّرى المنضورُ جالَ بهِ✳ يوماً غلامٌ شَعْرُهُ فاحِمْ
في نُطْقِهِ حَصَرٌ وتَمْتَمَةٌ✳ وخَيَالُهُ مُتَكَلِّمٌ عَارِمْ
يمشي خِلالَ الروضِ مُتَّئِداً✳ مُتيقِّظاً في صُورَةِ النائِمْ
في البيتِ حالٌ لا تروقُ لهُ✳ الفقرُ فيهِ قَاعدٌ قائِمْ
لا أمَّ تَرْأمُهُ بِرَحمَتها✳ عَصَفَ الردى بفؤادها الدائِمْ
والوالدُ الخمَّارُ.. حانتُهُ✳ تُلهيهِ عنه وأنفُهُ راغِمْ
عَزَمَ الغُلامُ لَيَرْحَلَنَّ إلى✳ مِصرَ لينفُضَ هَمَّهُ الجَاثِمْ
فأَقَامَ بالفُسْطاطِ مُتِّبعاً✳ في العيشِ نهجَ الكيِّسِ الحازِمْ
إذْ باعَ فيها الماءَ مشترياً✳ صفةَ الأدِيبِ وحِلْيةَ العَالِمْ
والعَبْقَريَّةُ سرُّ مُبْدعِهَا✳ إمَّا أرادَ فما لهَا كاتِمْ
تغدو الصعابُ وقودَ جَذْوَتِها✳ فيُضيءُ نوراً جَمْرُها الجاحِمْ
ذاكُم أبو تمَّامِ، سيِّدُ مَنْ✳ صاغَ القريضَ بعصْرِهِ الزاهِرْ
عَصْرِ الفُحُولِ، فكيفَ أخملهُمْ✳ طُرّاً بفيضِ عُبَابِهِ الهادِرْ
وَسَمَا لمرتبةٍ مُحَلِّقةٍ✳ ما طالها من قبلِهِ شاعِرْ
ما زالَ مِنْ بلدٍ إلى بَلَدٍ✳ مُتنقِّلاً كَتَنَقُّلِ الطائِرْ
لا يَستقرُّ بموضِعٍ أبداً✳ طلباً لمجدٍ ما له آخِرْ
حتى غدا الوطنَ الوحيدَ له✳ ظَهْرُ القَلوصِ وصَهْوةُ الضَّامِرْ
نَظَمَ البلادَ قصيدةً عَجباً✳ غرَّاءَ وهوُ رويُّها الدائِرْ
نَثرَ الهَوَى فيها فما بلدٌ✳ إلا له في أهلهِ سَاهِرْ
حتى خُرَاسَانُ ألمَّ بها✳ عندَ المُبجَّلِ من بني طَاهِرْ
لم يثنِهِ جُودُ الأميرِ بها✳ عَنْ عِشْقِ خَوْدٍ طَرفُها خازِرْ
غَنَّتْ ولم يفهَمْ رَطَانَتَهَا✳ لكِنْ أحسَّ بجُرْحِها الغائِرْ
وبَكَى لها مُتوجِّعاً فَبَكَتْ✳ وتَعَاطَفَ المَسحورُ والسَّاحِرْ
غَضِبَ الأميرُ، فدَعْهُ في غضبٍ✳ وَانْشُدْ رضاءَ الفاتنِ الآسِرْ!
حاشى ابنَ أوسٍ ليس يشغُلُه✳ عن قومهِ لَهْوٌ ولا دَرَنُ
ما كادَ يسمعُ أنَّ أمَّتَهُ✳ تُمنَى بأحداثٍ وتمتَحَنُ
فبأردبيلَ وحولَ أرشُقِها✳ مِن أذربيجانَ التظَتْ فِتَنُ
إذ شَبَّ بابِكُ ثورةً عمَماً✳ يَلتَجُّ فيها الشِّرْكُ والضِّغَنُ
وعلى الثُّغورِ الرومُ قد وَثَبَتْ✳ لِكرامةِ الإسلامِ تَمْتَهِنُ
حتى انبرى الطائيُّ يَشْهدُها✳ ويخوضُ عِثْيَرَها ولا يَهِنُ
تجري به فرسٌ يُسَابِقُها✳ مِنهُ خيالٌ جامحٌ أرِنُ
ثمَّ انبرى يَجلو ملاحِمَها✳ صوراً يتيهُ بآيها الزَّمَنُ
خَلَّدنَ للطُّوسيِّ مِيتَتَهُ✳ فَكأنَّ بِدْءَ حياتِهِ الكفَنُ
وغَدَا الذي تَقذى العيونُ بِهِ✳ تلتذُّهُ الأسماعُ والفِطَنُ
ولِيومِ عَمُّوريَّةَ انطلقَتْ✳ بائيَّةٌ طائيَّةٌ عَجَبُ
غَرَّاءُ تُغْنيها حقائقُها✳ عَنْ أن يَشوبَ جَمَالَها كَذِبُ
فيَّاضةٌ نوراً ونارَ لظًى✳ مثل المجرَّة ملؤها شُهُبُ
تركَتْ وجوهَ الرومِ كاسِفةً✳ وتهلَّلَتْ جذلاً بها العَرَبُ
أحبيبُ! في ذِكراكَ تذكرَةٌ✳ لبني أبيكَ اليومَ إذْ وَثَبُوا
أعداؤنا هُمُ كَعهدِكَ لا✳ تغييرَ إلا الاسمُ واللَّقَبُ
صهيونُ صارَ اسماً لِبابِكهم✳ والغَرْبُ فيه الرومُ ما غَرَبُوا
من ألفِ عامٍ ما تزالُ لنا✳ معهُمْ ملاحمُ ليسَ تَنقضِبُ
يبغونَ أن يمحوا رسالتَنَا✳ مَحواً، ويأبى اللهُ والحَسَبُ
إِنْ كانَ عَهدُكَ عَهدَ مُعْتصمٍ✳ للعُربِ والإسلامِ منهُ أبُ
فإلى جمالِ اليومَ مَفزَعُنا✳ وبه إلى غاياتِنا نَشِبُ
هوَ من صميمِ الشَّعْبِ، لا مَلِكٌ✳ من دونِهِ الأستارُ والحُجُبُ
يهبُ الحياةَ فِدىً لأُمَّتِهِ✳ والمالَ بيتَ المالِ لا يَهَبُ
فمدائحُ الشُّعراءِ فيه هوىً✳ ما شابَهُ رَغَبٌ ولا رَهَبُ
تتحدثُ الدُّنيا بسيرتِهِ✳ فتموجُ جرَّاها وتصطخِبُ
إن قيلَ: ناصرُ! هلَّلَتْ عُصَبٌ✳ حُبَّاً له، وتَزَلْزَلَتْ عُصَبُ
فالشانئون.. لفضلهِ جَحَدوا✳ والمنصفونَ.. لمجده طربوا
نادى السلامَ لعالَمِ قَلِقٍ✳ خوفَ الدمارِ فُؤادُهُ يجبُ
ثقةً بأن الحَرْبَ إن نَشِبَتْ✳ فمصيرُ كلِّ شُعوبِه العَطَبُ
يا غَرْسةً خَضراءَ ناضِرةً✳ يَحنو عليها ماردٌ حدِبُ
قد أنجبتهُ أمةٌ وسطٌ✳ ميراثُها الأديانُ والكُتُبُ
زيتونةً مِن غرسِ ربِّكَ، لا✳ للشرْقِ أو للغربِ تنتسِبُ
ناغى بها الدُّنيا فردَّ لها✳ بعضَ السَّكينةِ وهي تضطَرِبُ
تلكم رسالتُنَا التي نبتتْ✳ في أرضِنا مُذْ كانتِ الحِقَبُ
الله أحْياها بناصِرِه✳ والله أعلمُ حيثُ يَنتَخِبُ
فَاخْلُدْ أبا تمامِ في وطنٍ✳ هو للكرامةِ معقِلٌ أشِبُ
الوحدةُ الكبرى له أملٌ✳ يومُ الوصولِ إليهِ يقترِبُ
إن لَمْ تتمَّ غداً فبعدَ غدٍ✳ والغيثُ قطرٌ ثمَّ ينسكِبُ
وانعَمْ بهذا المِهْرَجانِ ففي✳ ذكراكَ يزهو الشِّعْرُ والأدَبُ
وليبق شعرُكَ عَوْضَ ما بقيَتْ✳ لغةُ الكتابِ وعَاشَتِ العَرَبُ