عشرون عامًا؟ أبي عشرون؟ واأسفا✳ أعشتُ بعدَكَ أُرْبي الهمَّ والأسفا ؟
عشرون ؛ دهرٌ وما أدركتُ غايتَهُ✳ فهل من البرِّ أن تمضي وأن أقفا ؟
عشرون يا أبتاهُ اجتزتُ غربتَها✳ أُرْبي الهمومَ بقلبٍ لم يزلْ دنفا
عشرون والغربةُ الكأداءُ تبهضُني✳ كأنها القيدُ فيه العمرُ قد رسفا
ودَّعتُ روحك قنديلًا أضيء به✳ عمرًا تولَّى ، فعمري بالدجى التحفا
أُنْبيكَ ما صنعَت بي غربتي أبتي؛✳ كأنما ليس لي أهلٌ ولا حُلفا ؟
لا عذر لو جف من عينيَّ دمعهما✳ نوديت؟ كلا ، أبي؛ يا حزنُ قال كفى؟
يلذُّ للعين أن تعتادَها سحرًا✳ طيفًا وإن كان في بحرِ الدموعِ طفا
ماذا أحدثُ عن ذكراكَ يا أبتي ؟✳ سمعتَ صوتي؟ ألم تسمعْهُ مرتجفا؟
إني تلعثمتُ لما طافَ بي عَجِلًا✳ طَيفٌ لهُ القلبُ بالأشواقِ قد رَعفا
هنا اتكأتَ ، هنا حدَّثتَ ، كانَ هنا✳ كالنبعِ رأيُكَ منه العابرُ اغترفا
عدْ يا أبي حيثُ ما زالت منادمةٌ✳ تُربي لك الصمتَ بل تُغري لك الشغفا
صداكَ .. هذا صداك البابُ يذكرُهُ✳ حتى الصريرُ كآهٍ في المدى نزفا
وثم متكأٌ مارت به صورٌ✳ وطفاءُ رذَّت على أجفاننا نطفا
يقولُ : خذْ ؛ من عطاءٍ كان ديدنَهُ،✳ فالبخلُ نصلٌ لئيمٌ يجرحُ الشَّرفا
للجودِ بابٌ بلا قفلٍ يعالجُهُ✳ مفتاحُ عسرٍ إذا يومًا له دلفا
حادٍ من الشوق يحدو ألفَ قافلةٍ✳ إلى مضيفٍ رمى ظلًّا لها وَرَفا
يرقُّ حتى ترى ما خلفَ جؤجؤِهِ✳ من البياضِ الذي مثلَ الزلالِ صفا
تواضع لم يكن ثوبا فيخلعَهُ✳ وكم بإبرته فتق الخلاف رفا
يكاد ينسل من أصداء نبرته✳ فَراشُ عشقٍ إلى دفءِ اللقاءِ هفا
ما زال يرتادُ عقلي صوت حكمتِهِ✳ وفوقَ أكتافِ رأيٍ كالرضيعِ غفا
حتى إذا الصبحُ ناداني عرضتُ له✳ سلالَ ما العقلُ من بستانِه قَطفا
فما تعثرتُ إلا خِلتُ قال لعًا✳ وما تقوستُ إلا قالَ كُنْ ألفا
وما توجستُ من شكٍّ بليتُ به✳ إلا رمى لي يقينًا والمدى انكَشفا