باتَتْ مُعانِقَتِي ولكن في الكَرى✳ أَتُرى دَرَى ذاكَ الرَّقيبُ لما جَرى
ونَعم دَرى لَمَّا رأَى في بُردَتِي✳ ردعاً وشمَّ مِن الثِّيابِ العَنْبَرا
طيفٌ تخطَّى الهولَ حتَّى يَشْترِي✳ بيتَ الحَشَا وقد اشْتَرى وقد اجْتَرا
ما زارَ إِلاَّ في نَهارِ جَبينهِ✳ فأَقولُ سَار ولا أَقولُ له سَرى
يا عينُ صرتِ بمن حَوَيْتِ مَدينةً✳ ولكم مضَى زَمنٌ وأَنت من القُرى
بأَبي وأُمِّي من حَلَمْتُ بذكرها✳ لمّا انتبهتُ ومُذ رَقَدْتُ تَفَسَّرا
عُلِّقتها بيضاءَ سمراءَ الَّلمى✳ أَسمعتَ في الدُّنيا بأَبيضَ أَسْمَرا
ومِن الْعَجَائِب أَنَّ ماءَ رُضَابِها✳ حُلْوٌ ويخرجُ حين تبسم جَوْهَرَا
إِني لأَعْشَقُها وما أَبْصَرْتُها✳ فالشَّمسُ يمنعُ نورَها أَن تُبصرَا
ويَروعُني في كُلِّ وقتٍ دُرُّها✳ فإِذا اعتنقْنا خِفْتُ أَن يَتَنَثَّرا
أَشكو إِليها رِقَّتي لِترقَّ لِي✳ فتقول تطمعُ بي وأَنت كما تَرى
وإِذا بكيتُ دماً تقولُ شمتّ بِي✳ يومَ النَّوى فصبغتَ دمْعَك أَحْمَرا
من شاءَ يمنحها الغَرامَ فدونَه✳ هَذِي خَلائِقُها بتخيير الشَّرا
يا من سبى في الحسنِ عبلةَ عبدةً✳ رفْقاً عليَّ فليسَ قلبي عنترَا
غادَرْتَنِي والصَّيرُ مَشدودُ الوِكا✳ وغدرتَ بي والدَّمعُ محلولُ العُرا
وجعلتَ قلبي بالهمومِ مُزمَّلاً✳ إِذْ كان جَفْنُك بالفتورِ مُدثَّرا
وفتحتَ أَبواب السُّهادِ لناظري✳ وجعلتَ ليلي بالنجوم مُسمَّرا
فمتى أَقولُ جوانحي بك قد هَدت✳ فمدامِعي رجَعت عليك إِلى وَرا
لو شاءَ من ملك الشآم بسيفهِ✳ لأَراحَني منها بأَحسنَ مَنْظَرا
بسبيئةٍ سبت النفوسَ لأَنَّها✳ لم تُسبَ إِلاَّ من مَقاصِر قيصَرا
حَميتْ لها الهيجاءُ حتَّى استخرجَت✳ ظبياً يُدافِع عنه آسادُ الشَّرى
فإِذا انْثَنَتْ أَبصرتَ منها بانة✳ وإِذا رَنَت أَبصرتَ منها جُؤذُرا
وإِذا اختبرتَ فقد وجدت مؤَنثاً✳ وإِذا نَظرتَ فقد نَظَرت مُذكَّرَا
ويكاد يَجْحدُ خدُّها نسباً لها✳ إِذ لا يرى لا زال أحمر أصفر
ويعود قلبي بالمرة عامراً✳ إذ صَارَ قلبي بالملاَحةِ أَعْمَرَا
وأَفُكُّ عنها القيد وهو ذوائب✳ أعيت بكثرة شعرها أن تضفرا
وتعود في أَسرِ العِناق ومثلُها✳ ما كانَ إِلاَّ بالعِناق لِيُؤْسَرا
وتُبيحني مِنها الرُّضَابَ لأَنَّها✳ مِمَّن يدين بأَن يَحلَّ المُسْكِرَا
وأَقومُ من فَرط المسرَّة مُنِشِداً✳ شِعري وغَايَةُ عاشق أَن يُشعِرَا
آنستُ نارَ الخدِّ لا نارَ القِرى✳ وحَمِدتُ صُبحَ الثَّغرِ لا صُبحَ السُّرَى
ووصفتُ جودَ أَبي عليٍ وحده✳ وأَنفتُ أَن أَصِفَ الغمامَ المُمْطِرا
ذاك الكريمُ وإِن سمعت بغيرِه✳ خُذْ ما تراه وعَدِّ عمَّن لا تَرى
وإِذا سأَلْتَ مَنْ الكريمُ فإِنَّه✳ عبدُ الرَّحيم وإِنَّه مولى الوَرَى
يَخْتَارُ أَنْ يهبَ الخريدةَ كَاعِباً✳ والأَلْفَ أَلفاً والكلامَ مُجَوهَرا
فسوى مَنائِحه نوالٌ يُجْتَوى✳ وسوى مدائِحه حديثٌ يُفْتَرى
يَقرى الضيوفَ شعاعَ تبرٍ أَحمرٍ✳ فشعاعُ ذاك التبرِ نيرانُ القِرى
ولقد سمعتُ وما سمعتُ بواهبٍ✳ جلَّت مَواهبُ كَفِّه أَنْ تُشْكَرا
ولَقَد رَأَيْتُ وما رَأَيتُ كَقَادِرٍ✳ يسعى لخِدمَتهِ القضاءُ مُقَدَّرا
قمرٌ تُعدُّ له المَجَرَّةُ مورِداً✳ والأُفقُ داراً والكواكبُ معشراً
بلغ السماءَ معالياً ومكارِماً✳ ظهرت ويبلغُ فوق ذلك مَظْهرا
فضلَ الملوكَ فصار يُسمى فاضلاً✳ صَغُروا لديه فصارَ يُدعى الأَكْبَرا
ويحطُّ أَلويةَ الملوكِ وإِنَّه✳ متكبِّرٌ عن أَن يُرى مُتَبختِرا
فبقولِه حَدُّ الحسام مُفللاًّ✳ وبرأْيه خدُّ الهزَبْر مُعَفَّرا
الرأْيُ أَبيضُ واليراع مسوِّدٌ✳ فيقومُ في حربِ العَدوّ مُشَهَّرا
جَعلت براعتُه الكلامَ للفظه✳ عبداً ولكنَّا نراهُ محرَّراً
وسقى النَّدى من راحتيه يراعةً✳ فلِذاك أَزْهر بالبيانِ وأَثْمرا
كسر الصليبَ سميُّه من رَأيه✳ فَسلِ العِدى مَن كان أَصْلب مَكْسِرا
ولقد أَقرَّ اللهُ عينَ نبيِّه✳ بمطهِّر جعلَ الشآمَ مُطَهَّرا
ما زال أَو جعلَ الكنيسة جامِعاً✳ والأَنبلَ المخفوضَ مِنْها مِنْبَرا
فُتح الشآمُ به وقال زمانُه✳ إِن كنتَ فاتحه فلن يتَغَيَّر
الشامُ دارُك لو أَردتَ أَخَذْتَه✳ بالإِرْت عن آبائِكَ الشُّم الذُّرا
منه بزغْتَ فلا وكنت بدراً نيِّراً✳ وبه طلعتَ فكنتَ صُبحاً مُسفراً
وله ملكتَ فلا برحتَ مُملَّكاً✳ وبه ظَفِرتَ فلا بَرِحتَ مظفَّراً
من مُبلغٌ بَيْسان سيدةَ القرى✳ أَنَّ الهناءَ أَتَاكَ مِن أُمِّ القُرى
فلو استطاع البَيتُ أَرسلَ حِجرهُ✳ وفداً وأَرسلَ بالهناءِ المَشْعَرَا
ولقد أَعدتَ لعسقلانٍ رُوحه✳ ورَفَعْتَ شاهِقَه وكان مُدمَّرا
وأَدَمْتَ راحتَه فدُمْت مخلَّداً✳ وعمرت ساحَته فَعِشْت مُعمِّرا
كفر الشآمُ وعسقلانٌ مؤمنٌ✳ حاشاه وهو عرينُه أَنْ يَكْفُرا
ولكان مُؤمِنُ آلِ فرعون بهمْ✳ إِذْ كان يُضمر ضِدَّ ما قدْ أَظْهرا
فأَغَرْتَ مصرَ به وأَيسرُ حقِّها✳ أَن لا تغارَ وحقُّها أَن تَعْذِرا
فارقْتَ مصرَ وما استَحقَّت فُرقَةً✳ وهجرتَ مِصرَ ومثلُها لَن تُهجَرا
وتشوَّقَتْ فتذكَّرت ولقلَّما✳ يُغني عن المشتاقِ أَنْ يتَذَكَّرا
ما أَنتَ سيِّدُ أَهلِ مصرٍ وحدهم✳ بل أَنتَ سيِّدُ كلِّ من وَطِئ الثَّرى
حَسَدَت مَعالِيك الكرامُ بياسرٍ✳ ولطالَما حسدَ المُقِلُّ المُكْثِرا
راموا اللَّحاق به فمنهم من وَنَى✳ عجزاً ومنهم من جَرى فتعَثَّرا
من رام شَأْو عُلاك عاشَ مغصَّصاً✳ إِن عاشَ أَو إِن مات مات مُحسَّرا
الغيثُ أَنت وأَنتَ أَندى راحةً✳ والبدرُ أَنت وأَنتَ أَشرفُ عنصراً