خذ الكاسات واشرب من مدامي✳ فدنّ العدل مفضوض الختام
وكنت إلى رحيقه بانحباسي✳ مريح الكارعين من الصمام
وهذا الظلم صرحه قد تداعى✳ وأوشك أن تروه على انهدام
ودل على انخذالهم انزعاج✳ لأيّ ما فدلّ على انهزام
رأوني في الزعيم نظمت شعراً✳ وقولي بين قومي كالسهام
وإني ناشر الإحساس فيهم✳ وحسبك عن أقل قالت حذام
وإني باعث الموتى نشورا✳ بإذن الله تنهض في ازدحام
وتعرفني وأعرفها إذا ما✳ كشفت لدى الفوارس عن لثامي
ولو دعيت نزال لقلت أهلا✳ فقبحا ويك للموت الزؤام
ولم يمرر بقلبي طيف جبن✳ ولم تجر الدموع على كلامي
يردد في المحافل صوت شعري✳ وتنصب في نواديهم خيامي
فهالتهم جيوش من قريضي✳ بعثت بها وهالهم اصطدامي
فقالوا من لنا والصوت صادٍ✳ وقالوا من لنا واليمّ طام
وهذا الليث أقبل من عرين✳ علينا وهو يزأر في احتدام
ففكر بعضهم حينا وألقى✳ وقد ذهلوا إليهم بالزمام
فنودي يا هزبر الشعر مهلا✳ عليك فلا سبيل إلى القيام
فأنت مقلد فينا وظيفا✳ ألم تنظر لسفيك والوسام
فلا تطلق جواد الفكر ركضا✳ فإن العسكرية كاللجام
ودع عنك القوارير اللواتي✳ ختمناها بذيّاك الفدام
فقلت متى صددت عن القوافي✳ وأين أنا كأني في المنام
أجنديا أراني رغم أنفي✳ وأخضع للحكومة بالتزام
وما تلك الوظائف لو نظرتم✳ بعين عدالة إلا أسام
وما أنا ساخرا بي مع زماني✳ وليس علي حقا من ملام
وبتّوا في الحكومة قبل سؤلي✳ وإقراري وتحقيق المحامي
وأوقعني القضاء بحكم ضغط✳ بثكنتهم ولم أدنس بذام
أأجبن والمخاوف لي أمان✳ وأخشاهم وبالله اعتصامي
وهذا السجن تشريف لمثلي✳ سأدخله على وفق المرام
ولست بفاكر في ابن صغير✳ يحن له الفؤاد على الدوام
وإن كان الغياب لديّ عنه✳ ولو يوما يعدّ كألف عام
ولا تلك التي نثرت دموعا✳ ونادت زوجها والقلب دام
وضمّت بنتها للصدر حتى✳ تخفّف نار قلب في اضطرام
ودارت حولها الأهلون تبكي✳ بكاء الطفل في إثر القطام
شغلت عن الجميع بحب شعبي✳ رعاه اللّه والإخلاص نام
وأيّده التفاف القوم نحوي✳ لتهنئتي فبتّ مع الفخام
وسرت لموقف الإيقاف توّا✳ وصدري بالمسرّة في انفعام
وقالوا الزم مكانك نصف شهر✳ فقلت كعدّة البدر التمام
وقلت السجن كنز باحتباسي✳ حوى الصديق من قبل الإمام
وأغلق باب حجرته بقفل✳ علي وإن تأثّث بانتظام
ولكنّي وجدت به مجالا✳ فسيحا للترسل والنظام
وبات الفكر وقّادا وباتت✳ جواهره الكريمة في انسجام
وكان كمهبط للوعي فاضت✳ عليّ به غوادق كالجهام
وجئت لأمّتي فيه بسفر✳ ويا له في الهداية من إمام
أرادوا بانحباسي قهر فكري✳ فأصبح في الجوارح خير رام
وبتّ بحب خضرائي أنيسا✳ وباتت لي المعاني في ازدحام
وأصغي للجنود وهم نشاوى✳ بحب شاربا كأس الجمام
يودّون الولوج ولا سبيل✳ إليّ فيشتكون من الأوام
وقد منعوا مكالمتي وتبقى✳ لهم تلك العواطف في انكتام
وهب سكتوا بحكم القهر عنّي✳ فكم ناب السكوت عن الكلام
وفيما قد أرى لو قلت هيا✳ لسقت الجيش جرارا أمامي
يقودهم الشعور الحي لولا✳ فدام الضغط والحكم النظامي
قلوبهمو ترفرف حول ربعي✳ وتلحظني البصائر باحترام
أرى الإخلاص منشورا عليهم✳ ولو ذاقوا به كأس الحمام
ولكن لست رائدهم لشر✳ فقد أغنى الكلام عن الحسام
ولم أنس الذي ما زار حتى✳ أراني الأريحية من همام
كذاك الشأن في الأحرار منهم✳ وفي الشرفاء من بيت الكرام
رآني للزيارة كنت أهلا✳ وبالإيقاف لم ينقص مقامي
وشاهد عند صاحبه جلالا✳ يحوط به على رغم اللئام
رأى مني العزيمة في رسوخ✳ وشاهد عزة الشرف التهامي
فأسرع بالتحية مذ رآني✳ جديرا في الحقيقة بالسلام
ولاحظ حول مكتبتي صفوفا✳ من الأسفار تنبي عن غرامي
فأكبرني وسألني اهتماما✳ بشأني فاستحق به اهتمامي
واسدل في السؤال ذيول لطف✳ فخلته وهو يسألني غلامي
فقلت القلب منشرح كثيرا✳ يكاد يفر مني كالحمام
فليس الفكر مشغولا بشرب✳ ومفروش وثير أو طعام
يخفّف حمل هذا الضيم عني✳ عدادي اليوم في صف العظام
فقال سجنت مثلك وهو حق✳ تقوله ثم ودّع باتبسام
ضمنت له احتفاظ الذكر عندي✳ ونشره عاطرا بين الأنام
وكيف يرى سجينه ذا اعتداء✳ عليه وليس من أهل التعامي
ومبلغ علمه أني شريف✳ نظيره هزّني شرف المقام
ولم أك مثل غيري ذا خداع✳ يداجيهم لتحصيل الحطام
ويعلم أنهم جعلوا لصيد✳ وما شأن الكلاب حشاك سام
وأنّ الدعوة الكبرى لشعبي✳ أقامتني وأوجبت انضمامي
ولم ير في المطالب من عداء✳ ولا من موجب للانتقام
ولكن التملق ساق غرا✳ فجامله المحابي في الترامي
ويعلم أنني بالشعر غازي✳ وأني بالعشيرة ذو التحاكم
وأني ضمن قوم لم يسيئوا✳ إليهم بل دعوهم للوئام
وأنا في مفاهمة ولسنا✳ مع الأحرار منهم في خصام
وهم في النور يمشون اختيالا✳ ونحن في المظالم في ظلام
وصالحنا وصالحهم جميعا✳ إذا بتنا ولسنا في انقسام