كلما اجتاز بعدك الدهر ميلا✳ زدته فيك دهشةً وذهولا
حيرته صفاتك الغر لما✳ وجد العقل جمعها مستحيلا
خلقٌ فيك لو به اتصف البحـ✳ ـر لعادت مياهه سلسبيلا
أو مزجنا هوج العواصف فيه✳ لاستحالت به نسيماً عليلا
يعجز الفكر عن عظيم مزايا✳ فيك كانت لو حاول التحليلا
أو رمى نحوها المفكر طرفاً✳ رجع الطرف عن مداك كليلا
يا معيد الرماد ناراً أضاءت✳ فاهتدى الحائرون فيها السبيلا
كان هذا الوجود ليلاً فمذ أشـ✳ ـرقت أعقبته صباحاً جميلا
جئت والقوم بالضلالة غرقى✳ ومن الغي ما يفوق السيولا
فرق الضعف شملهم فتواروا✳ وتذروا بكل وادٍ فلولا
بعثهم كان آية لك كبرى✳ لم يصادف لها الزمان مثيلا
بنداء كأنه نفخةُ الصو✳ ر وقد كنت فيه إسرافيلا
رجعوا للحياة فيك وكان الـ✳ ـقوم موتى مداركاً وعقولا
ملكوا المشرقين باسمك حتى✳ شيدوا للإسلام مجداً أثيلا
يقف العدل أينما وقف الفتـ✳ ـح ويمشي إذا مشى الفتح ميلا
خشيت بأسهم جبابرة الأر✳ ض لهم طأطأوا الرؤوس نزولا
علموا العالم الأمانة والرأ✳ فة والعدل والوفا والجميلا
أخصبوا حكمة وعلماً وآدا✳ باً وفضلاً على الأنام جزيلا
لغةٌ سادت اللغات ودينٌ✳ لهم جاء ينسخ الإنجيلا
خدموا العلم خدمة سوف تبقى✳ في ذمام التاريخ جيلاً فجيلا
ليس تاريخهم من الناس منكو✳ راً ولا عظم فضلهم مجهولا
ثم دالت أيامهم واستر الد✳ دهر ملكاً مقدراً أن يزولا
لم يقدر رعاته نعم اللـ✳ ـهِ فجازاهم العقاب الطويلا
يا لها دعوة خرقت بها الحج✳ ب ففكت من الوثاق العقولا
صعق الشرك دونها حين نادت✳ والرواسي تهتز منها جفولا
إن هذا الكون العظيم كتابٌ✳ فانظروا فيه بكرةً وأصيلا
ضم ما بين دفتيه لكم من✳ عبر الدهر لو عقلتم فصولا
كل سطرٍ منه ترون على اللـ✳ ـه لكم فيه شاهداً ودليلا
شرع عنده العباد فلا فر✳ ق بغير التقى ولا تفضيلا
لا يعد الشخص الفقير من النا✳ س حقيراً ولا الغني جليلا
وأمام القضاء في الناس لا فا✳ ضل من بينهم ولا مفضولا
فاطمأن الضعيف فيه من العد✳ ل وخاف القوي أن يستطيلا
وتساوت حقوقهم والتساوي✳ كان عبأ على الطغاة ثقيلا
هذه الغاية التي يتمنى الـ✳ ـغرب في عصرنا إليها الوصولا
أصبحت شغله الوحيد فكانت✳ منك فضلاً ومن سواك فضولا
أغرق البعض منه فيها غلواً✳ فغدت عند آخر منه غولا
قال قومٌ ما قام دينك لو لم✳ تتخذ دونه الحسام الصقيلا
كذبوا إن ما بنته المواضي✳ لم يعش في الحياة إلا قليلا
لم تحاول إكراه قومٍ عليه✳ لست عنهم ولا عليهم وكيلا
حسبهم آية الجنوح إلى السلـ✳ ـم جواباً لا يقبل التأويلا
وسوى المعتدين ما جعل اللـ✳ ـه عليهم للمسلمين سبيلا
إن في الذكر لو وعوه لآيا✳ بيناتٍ قد فصلت تفصيلا
غير أن الهوى يضل ويعمي✳ والهوى لا يزال داءً وبيلا
صوروا الحق باطلاً والمرايا✳ حين تعوج تعكس العرض طولا
سوف يبقى لواء دينك منشو✳ راً ليرعى التوحيد والتهليلا