ما للأَمانيِّ نبقيها فتفنينا✳ وَللمنايا نُقاصيها تُدانينا
ما لليالي نوافيها فتغدرَنا✳ وإن نصادقها يوماً تعادينا
ما للتلاقي عَلى ما فيهِ من فرحٍ✳ يقرِّبُ الحُزنَ منا إذ يلاقيا
ما للزمان عَلى ما ثَمَّ من أَملٍ✳ يجدِّدُ الياس من بعد المُنى فينا
ما للأداهر وَالأَيام تخدعُنا✳ من بعد علمٍ أبانَ الحق تبيينا
إبنا أبينا وَكَم للغادرات يد✳ أردت سوانا عَلى كَرْهٍ وَتُردينا
فما نحاول من وجه التراب سِوى✳ زادٍ يَفوتُ وَركبٍ لا يواتينا
وَما نؤمل من دارٍ زخارفُها✳ من غيرنا لسوانا وهي تلهينا
وَفيم نجهد أَيامَ الحياة عَلى✳ كثيرها وَقليلُ العَيش يكفينا
وَما الَّذي يزدهينا من نضارتها✳ إلا كما غرّ في الماضين ماضينا
وَهَل نُمَلَّكُ إِلا ملكَ من سلفوا✳ وَلو بقي الأَمر ما نالته أيدينا
وَهَل يرجَّى وفا من بالسوى غدرت✳ أَو ما جَفا الكلَّ يَوماً لا يجافينا
هيهات ما اتصلت أَسبابُ ذي أَمل✳ إلا وَفَصلُ عراها كان موقونا
ولا تمتَّعَ من لذاتها فَرِحٌ✳ إلا وغودر عقبى ذاكَ محزونا
نرى ونسمع إِلا أَنها حكمٌ✳ يبدو النذير وَتخفى الحين وَالحينا
وَهكذا نحن تترى في تصرفها✳ الدين ينذرُ وَالدنيا تمنّينا
نسعى وَنكدح وَالغايات تردعُنا✳ لاهين عن تلك بالتغرير ساهينا
فكم نسر بما في طيه أَسفٌ✳ وَنتقي فَقدَ زورٍ ليس يبقينا
فالبدء يذهل وَالعقبى تحذّرنا✳ وَالعُمرُ يُسكرُ وَالتجريبُ يصحينا
وَالجَهل يؤنس ما بالعلم يوحشنا✳ وَالبين يندب ما اللقيا تهنينا
تأتي السنون عَلى الأَيام تأكلُها✳ وَنَحنُ في طيِّها تطوى فتطوينا
لكننا لا نَرى إِلا بعين هَوىً✳ لذاك نبصرُ سوءَ الغيِّ تحسينا
وَليسَ نسمع ذا إلا بِسَمعِ غَوٍ✳ حتى كَأن بواكينا تغنّينا
وَاللهِ لو عرف الأَكوانَ ذو نظرٍ✳ لم يرض قبلَ احتلال الكَون تكوينا
أليس مبدؤه هيناً وغايتُه✳ هوناً وبينهما كم يلتقي الهَونا
عجبتُ للتائِهِ المختال ذي شرفٍ✳ قد يستهين عليها الماءَ والطينا
وَهل فخارٌ لمن في كُل آونةٍ✳ يخشى عَلى نفسه غسلاً وَتكفينا
وهل يعز الَّذي يعلو معزَّتَهُ✳ ذلُّ الترابِ ويُضحي ثَمَّ مدفونا
وهل يهاب الَّذي يسعى لمصرعه✳ يوماً فيوماً وَيأتي الموت مغبونا
وَهَل يليق علوٌّ في مناكبها✳ والأَرض ساوت مواليها السلاطينا
إني لأذكر من يأتي ومن سلفوا✳ من الملوك فأدعوهم مساكينا
ما أجهل الحاسدَ المتبولَ مهجتُه✳ إن كان يحسد بالأَيام مفتونا
فَيا رَعى اللَه عَيناً لم تجد سَهراً✳ عَلى عُيون بمهد اللحد عافينا
وَيا وَقى اللَهُ قلباً ما بهِ جَزَعٌ✳ يَروعُه إثرَ تفريق المحبينا
وَيا سقى اللَه قرباً لم تَشُبه نَوىً✳ وَعصره إِذ يحيينا فيحيينا
لَقد تَولَّى وَكان الصَبر يجملُ لَو✳ أَبقى الزَمان لأُنس النفس شاهينا
وَلَّى بهِ الدَهر فلتهدر بوادرُهُ✳ فلستُ أذكرُ منهُ الباس وَاللينا
فقدت منهُ هماماً شأنُه هممٌ✳ وَعاصماً شَأوُه يَحمي المرجِّينا
وَما بكيتُ عَلى علياه منفرداً✳ لكن رأَيتُ جَميعَ الناس باكينا
فعزِّ عني الدَواوينَ الكِرامَ بهِ✳ وَعزِّ عنها كما تهوى الميادينا
وَعزِّها رتباً تاهت بهِ حِقَباً✳ أَو عَزِّنا وَعزيزٌ أن تعزينا
قد كانَ سَيفاً يصولُ الصائلون بِهِ✳ عَلى اللَيالي وَحصناً صان من صينا
وكانَ حيّاً تروّينا محامدُه✳ وَاليَوم ميتاً مراثيه تروِّينا
وَكانَ سهلاً وَحَزْناً في خلائقه✳ يُرضي الصديقَ كما يُردي المعادينا
وَكانَ يؤنسنا آمالُ أوبته✳ فصار يوحشُ حتمُ الياسِ نادينا
لِلّه أَيُّ جلالٍ زانَه شَممٌ✳ وَجَوهرٍ صارَ تحت الأَرض مكنونا
لِلّه أَيُّ همامٍ ماجدٍ فَطِنٍ✳ أَضحى عَلى شرف في الترب مدفونا
غفى فأسهر طُولَ الدَهر أعيُنَنا✳ وَزال عَنها فخانتنا أمانينا
وَمات عنا وَما ماتت مفاخرُهُ✳ تُتلَى علينا وَنتلوها لتالينا
مضى إِلى ربه في دار رحمتِه✳ وَخلّفَ الحُزنَ فينا لا يُنائينا
فقل سلامٌ عَلى الدُنيا بأجمعها✳ من بعدِه فقليلٌ ما تُصافينا
وَهل يعز سوى فقدان ذي خطر✳ من الرجال عَلى العز الموافينا
وَهَل دُموعٌ عليهِ غَيرُ ذائبةٍ✳ إِذا تذاكر عهداً مِن تلاقينا
يا رحمة الله حيي قبرَه برضىً✳ فقد حَوى قبرُه الإجلالَ وَالدينا
وَيا سقى اللَه ذاكَ الشهمَ إن له✳ في القَلب مَثوىً وَفي الأبصار تعيينا
وَلتزدهر جنةُ المَأوى بطلعتِه✳ مخلَّداً بنعيمِ الخلد مأمونا
وَلتبك دُنياه إذ آبت بفرقته✳ من بعدِ ما اغتبطت منه أحايينا
فتلك غاياته قالت مؤرخةً✳ قد أنشأ اللَه للفردوس شاهينا