أريد أن أموت
بما أنّكم تسألون، فأنا لا أتذكّرُ معظمَ الأيّامِ.أسيرُ في لباسي، ولا أشعرُ بزخمِ الرّحيل.
هذا الشرح مولّد آلياً بواسطة بيان، وقد يحتاج إلى مراجعة بشرية.
لا أحد يفكر في الزهور.
لا آحد يفكر في الطيور.
لا أحد يود تصديق أن الحديقة تحتضر
لا أحد يود تصديق أن قلب الحديقة تورم تحت أشعة الشمس،
لا أحد يود إستيعاب أن ذهن الحديقة،
شيئاً فشيئاً، يفقد ذكرى ماضيها الأخضر.
يبدو أن الحديقة شيء مجرد،
يتفسخ سريعا،ً
في رائحة الهواء المنعزلة.
باحة منزلنا وحيدة.
باحة منزلنا تتثاءب آملة في زيارة لغيمة ممطرة.
بركة منزلنا فارغة.
الوريقات اليافعة، عديمة الخبرة، تتهاوى من أعالي الأشجار.
وعبر نوافذ القفص الرقيقة
تسرب صوت أغنيات الطيور متداخلاً مع نوبات السعال.
باحة منزلنا وحيدة.
يقول والدي:
"سئمت الحياة،
فات أواني، ها قد أتممت جل أعمالي"
طوال حياته قابع
في غرفته، يقرأ القصص والأشعار.
يقول لأمي:
من ذا الذي يأبه لآلام حديقة!
أنا مسن، أصارع المرض، وحده راتب التقاعد قادرٌ على دفعي للاستمرار.
أما والدتي،
فحياتها عبارة عن "تلاوة الصلوات"
تنثرها عند أبواب الخوف من الجحيم.
في كل مكان، تقتفي أثر الأشياء المباركة.
تظن أمي أن الحديقة ملوثة، بسبب كفر إحدى الشجيرات.
أمي، بالفطرة تحمل وزر أطنان من الخطايا.
تتلو الصلوات لإنقاذ روحها التي لا تهدأ.
ترسل مباركتها للزهور والطيور
ترسل مباركتها لي
ولأختي
ولنفسها
إنها تتوق إلى يوم القيامة
والعفو الإلهي الذي سيحل علينا.
أخي يسمي الحديقة "مقبرة"
أخي يسخر من فوضى العشب
ويعد جثث الطيور المتعفنة
أخي مدمن على الفلسفة.
إنه يرى أن إنقاذ الحديقة يكمن في محوها، في أسرع وقت ممكن.
أخي يسكر
ينسف المرايا
والأطباق
واللوحات
بصعوبة يحاول أن يقول: أنا يائس، حزين، متوجع..
يأخذ هويته، وولاعته، ويأسه
ويذهب إلى الأذقة، والحانات، والأسواق.
يأسه من الضآلة بحيث يضيع كل ليلة
وسط الحشود.
كانت أختي صديقة للأزهار والطيور.
عندما تغضب أمي منها، وتوبخها
تختبيء خلف كتلة خضراء من الأشجار.
إنها تفضل البقاء بالقرب من الطيور الجريحة، المتعبة.
إنها الآن تسكن في الجانب الآخر من المدينة.
الآن فقط لديها منزل اصطناعي
الآن فقط لديها نباتات اصطناعية
في حماية حب زوجها المصطنع
يسمعون الموسيقى اللاصطناعية
وينجبون أطفالاً .. طبيعيين.
تأتي أختي لزيارتنا.
يزعجها الغبار المتراكم في الحديقة الصغيرة.
تحضر معها العطور والكريمات الواقية.
باحة منزلنا وحيدة.
باحة منزلنا وحيدة.
طوال اليوم نسمع صوت التفجيرات
جيراننا يزرعون الألغام في حقولهم
جيراننا يغطون الأحواض
طابق جيراننا السفلي أشبه بمخازن البارود السرية.
أطفالهم يتقاتلون بالبنادق والقنابل.
باحة منزلنا مصابة بالهلع.
وأنا
خائفة من هذا الزمن الذي فقد قلبه.
خائفة من تلك الأيادي الضائعة.
خائفة من تلك الرؤس الغريبة.
أنا وحيدة
مثل تلميذة تحب دراسة الهندسة بجنون.
أعتقد أن عليَ أخذ الحديقة الصغيرة إلى المصحة.
أعتقد..
أعتقد..
أعتقد..
قلب الحديقة متورم تحت أشعة الشمس
ذهن الحديقة، شيئاً فشيئاً، يفقد ذكريات ماضيها الأخضر.
***
ترجمة
قمر عبد الحكيم عثمان