مُدّي بساطيَ واملأي أكوابي✳ وانسي العِتابَ فقد نسَيتُ عتابي
عيناكِ، يا بغدادُ ، منذُ طفولَتي✳ شَمسانِ نائمَتانِ في أهدابي
لا تُنكري وجهي ، فأنتَ حَبيبَتي✳ وورودُ مائدَتي وكأسُ شرابي
بغدادُ.. جئتُكِ كالسّفينةِ مُتعَباً✳ أخفي جِراحاتي وراءَ ثيابي
ورميتُ رأسي فوقَ صدرِ أميرَتي✳ وتلاقتِ الشّفَتانُ بعدَ غيابِ
أنا ذلكَ البَحّارُ يُنفِقُ عمرَهُ✳ في البحثِ عن حبٍّ وعن أحبابِ
بغدادُ .. طِرتُ على حريرِ عباءةٍ✳ وعلى ضفائرِ زينبٍ وربابِ
وهبطتُ كالعصفورِ يقصِدُ عشَّهُ✳ والفجرُ عرسُ مآذنٍ وقِبابِ
حتّى رأيتُكِ قطعةً مِن جَوهَرٍ✳ ترتاحُ بينَ النخلِ والأعنابِ
حيثُ التفتُّ أرى ملامحَ موطني✳ وأشمُّ في هذا التّرابِ ترابي
لم أغتربْ أبداً … فكلُّ سَحابةٍ✳ بيضاءُ ، فيها كبرياءُ سَحابي
إن النّجومَ السّاكناتِ هضابَكمْ✳ ذاتُ النجومِ السّاكناتِ هِضابي
بغدادُ.. عشتُ الحُسنَ في ألوانِهِ✳ لكنَّ حُسنَكِ لم يكنْ بحسابي
ماذا سأكتبُ عنكِ يا فيروزَتي✳ فهواكِ لا يكفيه ألفُ كتابِ
يغتالُني شِعري، فكلُّ قصيدةٍ✳ تمتصُّني ، تمتصُّ زيتَ شَبابي
الخنجرُ الذهبيُّ يشربُ مِن دَمي✳ وينامُ في لَحمي وفي أعصابي
بغدادُ.. يا هزجَ الخلاخلِ والحلى✳ يا مخزنَ الأضواءِ والأطيابِ
لا تظلمي وترَ الرّبابةِ في يدي✳ فالشّوقُ أكبرُ من يدي ورَبابي
قبلَ اللقاءِ الحلوِ كُنتِ حبيبَتي✳ وحبيبَتي تَبقينَ بعدَ ذهابي
1962