قد كان ما كان من جَهْلِي وطغيَانِي✳ وجاءَ ما جاءَ من نُسْكِي وإِيمَاني
وسُرَّ من بَعْدِ غمِّ النفسِ مَلكي✳ واغتمّ بعد سرور النفس شَيطَانِي
فما المعمَّمُ بعد النُّسْكِ مِنْ أَرَبِي✳ ولا المُقَنَّع بعد الزُّهد مِنْ شاني
نَسيتُ إِلفاً بَخِيلاً لَيْسَ يَذْكُرُني✳ بذكرِ ربٍّ كَرِيمٍ لَيْسَ يَنْسَانِي
وخِفْتُ عِصْيانَ من لو شاءَ أَهْلَكَني✳ واخترتُ طاعةَ من لو شاءَ أَنْشَانِي
وعِفْتُ دُنْيَا تُسَمَّى من دَنَاءَتها✳ دُنْيا وإِلاَّ فَما مَكْرُوهُها الدَانِي
ضحكْتُ فيها وإِنِّي قد بَكَيْتُ بها✳ فالجهلُ أَضْحَكَني والعَقْل أَبْكاني
هذا وقد نلتُ ما لا نَالَه أَحَدٌ✳ في الدَّهرِ مِنْ نيل أَوطارِي بأَوْطَاني
محجَّبُ العِزِّ لا تَعْلو يدٌ لِيَدِي✳ قهراً ويَعْدوُ عَلَى السُّلْطانِ سُلْطَاني
بين العَزِيزَيْنِ من جاهٍ ومن كرمٍ✳ إِلى الرفيعينِ من قدرٍ ومن شَانِ
أُكْسَى وأَخْلعُ أَثوابَ النَّعيم فكَم✳ جرَّرتُ للتِّيه أَذيالي وأَرداني
منعَّمٌ بين جنَّات مُعجَّلَةٍ✳ وضُمَّ ما شِئْتَ من حُورٍ وولدان
وكم سبَتْني بِلا حَرْبٍ وكم فَتَنتْ✳ إِنْسَانَ عَيْنيَ فيها عينُ إِنْسَان
وطَالما أَصْبَحَتْ شمسُ النَّهارِ بِها✳ ضجيعةً وبُدُورُ التِّم نُدْمَاني
أَعْيَا وأَتعبُ من ضمٍّ ومن قُبَلٍ✳ فأَستريحُ إِلى راح ورَيْحَانِ
ثم انتهيتُ ولو لم يُنْهِنِي أَنَفي✳ من الزمان لكَان الشيْبُ يَنْهَاني
قد شيَّب الشيبُ أَوطارَ الفُؤَادِ كَمَا✳ أَبْلَى جَدِيدَ لُبَانَاتِي الجَدِيدَانِ
لا ترغبي يا ابنة العشرينَ في صِلَتي✳ إِنَّ الثلاثِينَ هدَّتْ ثُلْثَ أَرْكَاني
فيا لكَثْرةِ أَشجاني وأَحْزَاني✳ ويا لِقلةِ أَنصاري وأَعْواني
سَلني عن الدَّهر لا تَسْأَلْ سَوَايَ به✳ ولا تسلْنيَ عن همِّي وأَحْزَاني
وإِن بكَيْتُ فنكِّبْ عن مُجَاوَرَتي✳ واحذَرْ وإِيَّاكَ من طُوفَانِ أَجْفَاني
أَمَّا دُمُوعِي وخَوْفي مَعْ مُراقَبَتي✳ فمن ذُنُوبي وطُغْياني وعِصْياني
همّ ٌودَمْعٌ وخَوْفٌ وافتقارُ يَدٍ✳ هذي خُصُومٌ وما هَذَانِ خَصْمانِ
إِليكِ عنيَ يا دُنْيَا إِليك فَلي✳ في وصْل مِثْلِكِ شَانُ المبغِضِ الشَّاني
في وَحْشَةِ القَبْر والدُّودِ المقيمِ به✳ شُغْلٌ لِنَفْسِيَ عن دَارِي وبُسْتَاني
أَقول دَارِي وجِيراني مُغَالَطةً✳ والقبرُ دَارِيَ والأَمْوَاتُ جِيرَاني
سأُوسِعُ القَبْرَ بالأَعمالِ أُصلحُها✳ جُهْدي وأَلْبَسُ زُهْدِي قَبْلَ أَكفَاني
وقد أَجَبْتُ نِدَاءَ اللهِ حِينَ دَعَا✳ وقلتُ لَبَّيْكَ عن شوْقي وأَشْجَاني
فإِنْ رَشَدْت وغَيْرِي في غوايَتِه✳ جهلاً فإِنِّي بصيرٌ بَيْنَ عُمْيان
وإِن خَرَجْتُ من الدُّنْيَا ولذَّتِها✳ طوعاً فيا ربْحَ بَخْتيَ بَعْدَ خُسْرانِ
وكيف آسي على الدُّنْيَا ولذَّتِها✳ وقد تعوَّضْتُ بالبَاقي عَنِ الفَاني