أَبَى صدُّها أَن يَجْمع الحُسْنَ والحُسْنَى✳ ووجدِي بها أَن أَجمعَ الجَفْنَ والجَفْنَا
بَدَتْ فَحَكَت بَدْرَ السَّماءِ ملاحةً✳ ونأْياً إِلى أَن صار أَعلاهما الأَدنى
وآنسَ نَارَ الحَيِّ غَيْرِي وإِنَّني✳ لآنستُ نُوراً من سنَا ثَغْرهَا الأَسْنَى
تغنَّى عليها حَلْيُها طرباً بها✳ وفاحَتْ فقُلْنا هذه الرَّوضةُ الغَنَّا
تُعِيرُ المعاني من معانِي جمالها✳ ففي كل مَعْنىً من مَلاحتِها مَعْنَى
وكم رام مِنَّا قوْمُها أُنفساً لنا✳ وقد طلبُوا بَعض الذي أَخذَتْ منَّا
وكم عاشقٍ هانَتْ عليه حياتُه✳ على وَصْلِها فاستعذبَ الضَرْبَ والطعْنَا
يسدّدُ صدْرَ الرُّمْحِ إِن ماسَ قدُّها✳ ويَكْسِرُ جَفْنَ السَّيْفِ إِنْ كَسَرَتْ جَفْنا
حكى الرُّمحُ منها لونَها مع لِينِها✳ أَلم ترهُمْ يُسْمُونَه الأَسمر الَّلدْنا
أُوَرِّي بنَجْدٍ والصبابةُ بالحِمَى✳ وأَكْنِي بسُعْدي واللُّبَانَةُ في لُبْنى
وأَنْسَى سوى ربعِ الحبيبِ فإِنني✳ تسيل دموعِي حين أَذكرُه حُزْنا
وذلك ربْعٌ تُنْبِتُ الحسنَ أَرْضُه✳ تَرى الوردَ فيه الخدَّ والقامَةَ الغُصْنَا
وصلَّى بنا فيه إِمَامُ ملاَحَةٍ✳ فلما انقضَتْ تلكَ الصلاةُ تفرقنا
ضللْنا وقد غابَتْ أَهِلَّةُ أَهلِه✳ فيا ليتَ لا كانوا ويا ليتَ لا كُنَّا
سأَلتُ وقد بانوا وبانَ تَجَلُّدي✳ مَحلاَّ فيما أَحلى ومَعْنىً فما أَغْنَى
ولكن سأَلتُ الناصرَ الملك النَّدي✳ فأَغْنَى وأَقْنَى ثم مَنَّ وما مَنَّا
فِدىً لابن أَيوبَ الملوكُ لأَنهم✳ إِذا بَخِلو أَعْطَى وإِن أَفْقَرُوا أَغْنى
ترى كلَّ من يعطي المئينَ عُفاتَه✳ فِدَى مَلكٍ يُعطى الأَقاليم والمُدْنا
ولم يكْفِه أَن أَخجْلَ البيضَ بالدِّما✳ إِلى أَنْ أَرانَا جودَه أَخْجَل المُزْنا
فسائلُه أَثْنى وقاصدُه اهتدى✳ ونائلُه أَحْيَا وصارمُه أَقْنى
أَنامَ بني الإِسلام في كهف أَمْنِه✳ وأَوسعَهُم عدْلاً وأَسكَنَهُم عَدْناً
وعوَّضهم من بعد سُخْطهمُ رضىً✳ وبدَّلهم من بعد خوفهِمُ أَمْنَا
وما شاقه صوتُ الحَمام إِذا شَدا✳ ويُطرِبُه سَجْعُ الحِمام إِذا غنَّى
له النَّصلُ يُجْلى والقناةُ بكفِّه✳ تقوَّمُ والقوسُ الشديدُ له يُحْنَى
أَقام بدارِ الكفر تُجْبى له الجِزَا✳ وتودَى له القَتْلى وتُسْبَى له الحُسْنى
يشنُّ عليها غارةً بعد غارةٍ✳ فقد أَصبحَتْ من شَنِّ غاراتِه شنَّا
عفَتْ وخَلَتْ من ساكنِيها ديارُهم✳ فلا معقلٌ يُنْشَى ولا منزلٌ يَغْنى
زمانٌ على تِلْك المعاهدِ قد مَشى✳ ودهرٌ على تِلْكَ المعاقِلِ قد أَخْنَى
أَصافَ وشتَّى بين عكَّا وعَرْفَةٍ✳ هُمامٌ يراها ساعةً وهو قد أَسْنَى
أَقمتَ بها التوحيدَ للهِ وحدَهُ✳ وأُنْسيتَ فيها الروحَ والأَبَ والابْنَا
ولما رأَوه أَدبرُوا حين عايَنُوا✳ أَعنَّةَ خيلٍ لا تعودُ ولا تُثْنَى
وقد وقَفُوا لكن لأَسْرِ رقابِهمْ✳ وقطْفِ رءُوسٍ منهمُ آنَ أَنْ تُجْنى
ثبتَّ لهم والسَّيفُ قد كَرِه الطِّلَى✳ وجالدْتَهم والقِرْنُ قد سَئِم القِرْنَا
بضربٍ يذيبُ الشمسَ في الأُفق حرُّه✳ ويَحْرِقُ ما بَيْن القُلوبِ من الشَّحْنا
مضى مَلْكُهم في أَوَّلِ الأَمرِ هارباً✳ يُحسُّ قفاه الطعنَ فيه ولا طَعْنَا
عتيقُ عتاقٍ ما نجا مَن نَجا بها✳ ولا فاز من كان الفرارُ له حِصْنَا
وما زال أَعمى العين والقلْبِ فانْثَنَى✳ وقرْعُ الْعَوالي قدْ أَصَمَّ له الأُذْنا
وقد أَنِفَت منه المَواضِي لجُبْنِه✳ فلمَّا نَجَت حوباؤُه شكَرَ الجُبْنا
ولم يَقْرَع النَّاقُوسَ بعدَ انْهِزامِه✳ ولكنَّه من بَعْدِه قَرعَ السِّنَّا
وأَضْحى أَسيراً بادَوِيل وغيرُه✳ قُرونُ ملوكٍ كَمْ أَبادُوا لهم قِرْنا
أَسارى جُبارى لا يُرَجُّون فديةً✳ ولا يأْملُون الدَّهْرَ فكّاً ولا أَمْنَا
وهل زادهْم بالسِّجن ضيقاً عليهِمُ✳ وقَدْ جَعَلَ الأَرْضَ الفضاءَ لهم سِجْنا
بكى الكِنْدُ واليَسْكَند لا وحشةً لهم✳ ولَكِنْ على نفسيْهما أَسْبَلا الجَفْنا
غدا بادويل وهْو يَلْعنُ نفسَه✳ وحُقَّ لِتِلْكَ النَّفْسِ أَن تَرْبحَ الَّلعْنا
يُروِّعُه الصُّبحُ المنيرُ إِذا بَدا✳ ويُوحِشُه اللَّيلُ البهيمُ إِذا جنَّا
ويَشْربُ لكن إِن جرى دمعُه دماً✳ ويطرَبُ لكن إِن شدا قيْدُه لحْنَا
وقَدْ رَيْثَما زفَّت عليه قُيودُه✳ فحنَّت وأَنَّتْ مِثْل ما حنَّ أَوْ أَنَّا
وقد أَصبح الإِسْلامُ والكُفْرُ كُلما✳ بنيْتُ لِذَا رُكْناً هدَمْتُ لِذا رُكُنا
وقد أَصْبَحتْ مذ سِرْتَ مصرُ وأَهْلُها✳ كمعنىً بلا لفْظٍ ولفظٍ بلا مَعْنى
غدت مثل يَعقوب النبيِّ وقد نأَى✳ سميُّكُ عنه تشتكِي البَثَّ والْحُزْنا
وما أَنْتَ إِلا الشَّمْسُ أَظلَم بعدَها ال✳ بلادُ وإِلا السُّحْبُ قد أَقْلعَتْ عنا
فطوبى لعينٍ أَبصرتْها وحبَّذاً✳ محلُّك من مَثْوىً ومَغْنَاك من مَعْنى
فلا زِلْتَ تَبْقى للنبيِّ ودِينِه✳ وأُمَّتِه يَفْنَى الزمانُ ولا تفنى