أَيُّها الشَّعْبُ ليتني كنتُ حطَّاباً✳ فأهوي على الجذوعِ بفأسي
ليتني كنتُ كالسُّيولِ إِذا سالتْ✳ تَهُدُّ القبورَ رمساً برمسِ
ليتني كنتُ كالرِّياحِ فأطوي✳ كلَّ مَا يخنقُ الزُّهُورَ بنحسي
ليتني كنتُ كالشِّتاءِ أُغَشِّي✳ كلّ مَا أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي
ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ يا شعبي✳ فأَلقي إليكَ ثَوْرَةَ نفسي
ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصيرِ إنْ ضجَّتْ✳ فأدعوكَ للحياةِ بنبسي
ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصير لكن✳ أَنْتَ حيٌّ يقضي الحَيَاة برمسِ
أَنْتَ روحٌ غَبِيَّةٌ تكره النُّور✳ وتقضي الدُّهُور في ليل مَلْسِ
أَنْتَ لا تدركُ الحقائقَ إن طافتْ✳ حواليكَ دون مسٍّ وجَبَّسِ
في صباحِ الحَيَاةِ ضَمَّخْتُ أَكوابي✳ وأَترعتُها بخمرَةِ نفسي
ثمَّ قَدَّمْتُها إليكَ فأَهرقْتَ✳ رحيقي ودُستَ يا شعبُ كأسي
فتأَلَّمتُ ثمَّ أسْكَتُّ آلامي✳ وكَفْكَفْتُ من شعوري وحسّي
ثمَّ نَضَّدْتُ من أَزاهيرِ قلبي✳ باقةً لمْ يمسَّها أيُّ إنْسِي
ثمَّ قَدَّْمتُها إليكَ فمزَّقْتَ✳ ورودي ودُسْتَهَا أَيَّ دَوْسِ
ثمَّ أَلبسْتَني منَ الحُزْنِ ثوباً✳ وبِشَوكِ الجبالِ تَوَّجْتَ رأسي
إنَّني ذاهبٌ إلى الغابِ يا شعبي✳ لأقضي الحَيَاةَ وحدي بيأسِ
إنَّني ذاهبٌ إلى الغابِ علِّي✳ في صميم الغاباتِ أَدفنُ بؤسي
ثم أنساك ما استطعت فما أنت✳ بأهل لخمرتي ولكأسي
سوف أَتلو على الطُّيور أَناشيدي✳ وأُفضِي لها بأشواقِ نفسي
فَهْي تدري معنى الحَيَاة وتدري✳ أنَّ مجدَ النُّفوسِ يَقْظَةُ حِسِّ
ثمَّ أقضي هناكَ في ظلمةِ اللَّيل✳ وأُلقي إلى الوُجُودِ بيأسي
ثمَّ تحتَ الصّنَوْبَر النَّاضر الحلو✳ تَخُطُّ السَّيولُ حُفْرَةَ رمسي
وتظَلُّ الطُّيورُ تلغو على قَبْرِيَ✳ ويشدو النَّسيمُ فوقي بهمسِ
وتظلُّ الفُصولُ تمشي حوالَيَّ✳ كما كُنَّ في غَضَارَةِ أَمسي
أَيُّها الشَّعْبُ أَنْتَ طِفْلٌ صغيرٌ✳ لاعبٌ بالتُّرابِ والليلُ مُغْسِ
أَنْتَ في الكونِ قوَّةً لو تَسُسْها✳ فكرةٌ عبقريَّةٌ ذاتُ بأسِ
أَنْتَ في الكونِ قوَّةً كبَّلتْها✳ ظُلُماتُ العُصور مِنْ أمس أمسِ
والشقيُّ الشقيُّ من كانَ مثلي✳ في حَسَاسِيَّتي ورقَّةِ نفسي
هكذا قالَ شاعرٌ ناولَ النَّاسَ✳ رحيقَ الحَيَاةِ في خيرِ كأسِ
فأَشاحوا عنها ومرُّوا غضاباً✳ واستخفُّوا به وقالوا بيأْسِ
قَدْ أَضاعَ الرَّشادَ في ملعبِ الجِنِّ✳ فيا بؤسَهُ أُصيبَ بمَسِّ
طالما خاطَبَ العواطفَ في اللَّيلِ✳ وناجى الأَمواتَ مِنْ كلِّ جِنْسِ
طالما رافق الظلام إلى الغاب✳ ونادى الأرواح من كل جنس
طالما حدَّثَ الشياطين في الوادي✳ وغنَّى مع الرِّياح بجَرْسِ
إنَّه ساحرٌ تُعَلِّمُهُ السِّحْرُ✳ الشياطينُ كلَّ مَطْلعِ شَمْسِ
فابعِدوا الكافرَ الخبيثَ عن الهيكلِ✳ إنَّ الخَبيثَ منبعُ رِجْسِ
اطردوه ولا تُصيخوا إليه✳ فهو روحٌ شريرةٌ ذاتُ نحْسِ
هكذا قالَ شاعرٌ فيلسوفٌ✳ عاشَ في شعبهِ الغبيِّ بتَعْسِ
جَهِلَ النَّاسُ روحَهُ وأغانيها✳ فَسَاموا شعورَهُ سوْمَ بَخْسِ
فهو في مذهبِ الحَيَاةِ نبيٌّ✳ وهو في شعبِهِ مُصابٌ بمسِّ
هكذا قالَ ثمَّ سارَ إلى الغابِ✳ ليحيا حياةَ شِعْرٍ وقُدْسِ
وبعيداً هناكَ في معبد الغاب✳ الَّذي لا يُظِلُّهُ أَيُّ بؤْسِ
في ظلال الصَّنَوْبَرِ الحلوِ والزَّيتونِ✳ يقضي الحياة حَرْساً بحرْسِ
في الصَّباحِ الجميل يشدو مع الطَّيرِ✳ ويَمْشي في نشوةِ المُتَحَسِّي
نافخاً نايَهُ حواليْهِ تهتزُّ✳ ورودُ الرَّبيعِ مِنْ كلِّ قنْسِ
شَعْرُهُ مُرْسَلٌ تُداعِبُهُ الرِّيحُ✳ على منكبيْه مثلَ الدُّمُقْسِ
والطُّيورُ الطِّرابُ تشدو حواليه✳ وتلغو في الدَّوحِ مِنْ كلِّ جنْسِ
وتراهُ عند الأصيلِ لدى الجدول✳ يرنو للطَّائرِ المتحسِّي
أَو يغنِّي بَيْنَ الصَّنَوْبَرِ أَو يرنو✳ إلى سُدْفَةِ الظَّلامِ المُمَسِّي
فإذا أَقْبَلَ الظَّلامُ وأَمستْ✳ ظلماتُ الوُجُود في الأَرضِ تُغسي
كانَ في كوخه الجميل مقيماً✳ يَسْأَلُ الكونَ في خشوعٍ وهَمْسِ
عن مصبِّ الحَيَاةِ أَيْنَ مَداهُ✳ وصميمِ الوُجُودِ أَيَّان يُرسي
وأَريجِ الورودِ في كلِّ وادٍ✳ ونَشيدِ الطُّيورِ حين تمسِّي
وهزيمِ الرِّياح في كلِّ فَجٍّ✳ ورُسُومِ الحَيَاةِ من أمس أمْسِ
وأغاني الرُّعاة أَيْنَ يُواريها✳ سُكُونُ الفَضا وأَيَّانَ تُمْسي
هكذا يَصْرِفُ الحَيَاةَ ويُفْني✳ حَلَقَاتِ السِّنينِ حَرْساً بحَرْسِ
يا لها مِنْ معيشةٍ في صميمِ الغابِ✳ تُضْحي بَيْنَ الطُّيورِ وتُمْسي
يا لها مِنْ معيشةٍ لم تُدَنّسْهَا✳ نفوسُ الوَرَى بخُبْثٍ ورِجْسِ
يا لها مِنْ معيشةٍ هيَ في الكونِ✳ حياةٌ غريبةٌ ذاتُ قُدْسِ