إِن كُنتَ تَرْغَبُ أَن ترانا فَالْقَنا✳ يومَ الهِياج إِذا تشاجرتِ القنا
تَلْقَ الأُولى تُجْنيِهُم ثَمرَ العُلى✳ قُضُبٌ يَطيبُ بها الجَنى مِنَّنْ جَنَى
لا يَشْربُون سوى الدِّماءِ مُدامَةً✳ إِذ يَنْشَقُون من الأَسنَّة سَوْسَنَا
وإِذا الحُسامُ بمعركٍ غنَّى لهم✳ خَلَعُوا نفوسَهمُ على ذاك الغِنَا
مُتَورِّعينَ فإِنْ بَدتْ شمسْ الضُّحى✳ خَلَعُوا العَجَاجَ لها رِداءً أَدْكَنا
يشكو النهارُ خيولَهم من نَقْعِها✳ واللَّيلُ يشْكُو من وجُوهِهِمُ السَّنا
وتَكادُ تُعدِي القِرْنَ شدَّةُ بأْسِهِمْ✳ فيكادُ يومَ الرَّوع أَن لا يَجْبُنا
وإِذا رأَى الخَطِّيُّ حدّةَ عزمهم✳ نَكِر السِّنانَ وكادَ أَن لا يطْعنَا
إِنِّي وإِن أَصبحت منهم إِنهم✳ ليَرَوْن لي خُلُقاً أَرقَّ وأَلينا
أَهوى الغزالَة والغزالَ وربَّما✳ نَهْنَهْتُ نفسي عِفَّةً وتَدَيُّنا
وأَهِمُّ ثم أَخاف عُقْبى مَعْشرٍ✳ أَخْنى عليهم سوءُ عاقبةِ الخنا
ولقد كَفَفْتُ عِنان عيني جاهداً✳ حتَّى إِذا أَعْيَيتُ أَطلَقْتُ العَنا
فَجرتْ ولكن في الحَقيقةِ عَبْرةٌ✳ أَبقَتْ على الخَدَّينِ رَسْماً بَيِّنا
يا جَورَ هذا الحُبِّ في أَحْكامِه✳ خدٌّ يُحَدّ ولَحْظُ طَرفٍ قد زنا
وأَظنُّه قصدَ الجناسَ لأَنه✳ طرْفٌ زنا لما رأَى طَرْفاً رَنَا
يا قاتَلَ اللهُ الغوانِي مالنا✳ عنهم غِنىً بل كَمْ لَهمْ عنَّا غنَى
ومليحةِ بَخِلَتْ وكانت حُجَّةً✳ للباخِلات وقُلْنَ هذا عُذْرُنا
كالبدرِ إِلا أَنها لا تُجْتَلى✳ كالْغُصْن إِلاّ أَنَّها لا تُجْتَنى
ضنَّت بطَرْفِ ظلَّ بعدي سُقْمُهُ✳ أَرأَيتمُ من ضنَّ حتَّى بالضَّنَى
قالت تعيِّر من يكون مُبَخَّلاً✳ فعلامَ أَسْموك البخيلَ بِوُدِّنا
وإِذا تَشَكَّى القلبُ إِسْراعَ النَّوى✳ ظلَّت تَشَكَّى منه إِفراطَ الونَى
وإِذا بكتْ عيني تَقُولُ تبسَّمت✳ إِنَّ الدموعَ لها ثُغُورٌ عندنا
يا عاذلين جهلتمُ فَضْلَ الهوى✳ فعذلتُم جهلاً ولكنِّي أَنا
إِنِّي رأَيت الشمسَ ثم رأَيتُها✳ ماذا عليَّ إِذا عَشِقْتُ الأَحْسَنَا
وسأَلْتُ من أَيِّ المعادِن ثغرُها✳ فوجَدْتُ من عبد الرِّحيم المعدنا
أَبصرتُ جوهَر ثَغْرِها وكلامَه✳ فعلمتُ حقّاً أَنَّ هَذا من هُنَا
ذاك الكلامُ من الكمالِ بموضِعٍ✳ لا يُدْرِكُ السّاعِي إِليه سِوى العنا
يَدْنُو من الأَفْهامِ إِلاَّ أَنَّها✳ تَلْقَاهُ أَبعَد ما يكونُ إِذا دَنا
ويسيرُ وهْوَ لِحُسْنِها مُستوطِنٌ✳ فاعجبْ لذلك سائراً مُستَوطِنا
فالجِيدُ أَحسنُ ما يكون لمسمَعٍ✳ أَضحى بجوهرِه النفيسُ مُزَيَّنَا
وإِذا حواه الطِّرسُ فَتَّحَ أَعْيناً✳ من زَهْرِه تصبُو إِليه الأَعْيُنَا
فالطِّرسُ ساحةُ فِضَّةٍ وسطُوره✳ مِسْكٌ تُفرِّعُه اليراعةُ أَغْصُنا
لله من عبد الرحيم يَراعَةٌ✳ تَذرُ الحُسامَ من الفُلول مُؤمَّنا
فلسانُه قد صارَ لولا شكرُه✳ لجميل نعمتِها لساناً أَلكنا
وكتابُه للمُلْك أَيُّ كتيبة✳ تَدَعُ العَدُوَّ محيَّراً ومُجنَّنا
هو سورُه حيثُ السطورُ بروجُه✳ فلذاك صار مُحسَّناً ومحصَّنا
ولقد علا بأَبي عليّ جِدُّ من✳ جعل الرَّجاءَ إِليه أَنفسَ مُقْتنى
يَدْعُوه حين يُخيفُه إِقتارُه✳ فإِذا دعا كان النجاحُ مؤمَّنا
إِن تأْتِه تلْقَ النزيلَ معزَّزاً✳ وتصادِفُ الذَّهَب النُّضارَ مهوَّنا
والوجْهَ أَبْلَجَ والفِناءَ موسَّعاً✳ والعزَّ أَقعسَ والعَلاَءَ مُمَكَّنا
أَغْنَى وأَقْنَى قَاصِديه فكلُّهم✳ يُثْنِي ولا يَثْنِي عَنَاناً للثَنا
تُثْنِي القلوبُ على نَداه ورُبَّما✳ ركبَ النفاقُ مع الثناءِ الأَلْسُنَا
كم عاذلٍ في الجود قال له اتئد✳ لا تَلْحَنَا فيه لئلا تَلْحنَا
يفديه من يلقاهُ قاصدَ بِرِّه✳ متكوّنا في وَعْدِه مُتَلوِّناً
أَصبَحْتُ في مدح الأَجل موحَّدا✳ ولكم أَتَتْنِي من أَياديه ثَنَى
وغدوتُ من حبِّي له مُتَشَيِّعاً✳ يا من رأَى متشيِّعاً متسنِّناً
ورأَيتُ صحبتَه نعيماً عاجلاً✳ فرأَيتُ بذلَ النفسِ فيها هيّنا
وأَرادَني فَظنَنْتُ غَيْرِيَ قَصْدَه✳ فرأَيت دهري مُذْ عَنَانِي مُذْعِنا
يا ليْتَ قومي يعلمون بأَنَّني✳ أَدركتُ من كفّيه نَادِرةَ المنى
أَوليتَ حسَّادي بما أَوليْتَنِي✳ علموا يقيناً أَن أَيسرَه الغنى
فملأْتُ كفي منك جوداً فائضاً✳ وملأْتُ سمْعي مِنْكَ قَوْلاً ليِّنا
أَنْسَيْتَني أَهلي على كَلَفِي بهم✳ وذَكَرْتُ أَنِّي قد نَسِيتُ الموْطِنَا
وعَلمْتُ من سَفَرِي بأَنِّي لَمْ أَزَلْ✳ متغرِّباً لما لَزِمْتُ المسْكَنَا
كم والهٍ يبكي عليّ ويشتكي✳ أَلماً من البَيْنِ المفرِّق بيننا
وإِذا رَأَى أَثَرِي بكى فكأَنَّه✳ طَلَلٌ تقادمَ عهدُهُ بالمنْحَنَى
ويَظُنُّ دَهْرِي قد أَساءَ ولو دَرَى✳ حالي لأَيْقَنَ أَنَّه قد أَحْسَنا
لا زال رأَيُك لي يزيدُك صِحَّةً✳ في صُحْبَتي ويزيدُ حسَّادِي ضَنى
وهناكَ عيدٌ أَنت عيدٌ عندَه✳ ولذاك أَضحى فيكَ أَوْلَى بالهَنا
وبقيتَ ما بقي البقاءُ فإِن دنا✳ منه الغناءُ بَقِيتَ أَو يَفْنَى الْفَنَا